ابن عرفة

305

تفسير ابن عرفة

قوله تعالى : وَأَنَّا لا نَدْرِي أَ شَرٌّ أُرِيدَ . تضمنت الآية أمرين : الأول : أنهم حصل لهم العلم بأن اللّه تعالى موصوف بالحياة والعلم والقدرة والكلام لتعبيرهم بالإرادة ، ولم يقولوا : أشر يقع بمن في الأرض ، والإرادة تستلزم هذه الصفات كلها . الثاني : أنهم حذفوا الفاعل على جهة الأدب مع اللّه في نسبة الشر إليه ؛ مع أن الكل من فعله وخلقه جل وعلا وعمموا الإرادة ، ولم يقولوا : أريد بنا ، وحمل الزمخشري على ذلك عاقبة الأمر ؛ أي لا يعلم هل يختم لهم بالإيمان أو بالكفر ، وهذا بناء منه على أنهم هدوا بعد ما آمنوا ، وحمله ابن عطية على حالتهم تلك ؛ أي لا نعلم هل يؤمن أهل الأرض يؤمن أو يدوموا على كفرهم وهم بناء على أنهم قالوا ذلك قبل أن يؤمنوا أو تكون الآية حكاية حال ماهية ، وعبروا بالرشد ؛ لأنه أخص واستعمال الأخص في الثبوت أولى من الأعم ، أو لأن ذلك كان في زمن النبوة حالة وجود المرشد إلى طريق الجنة ، وأول الآية يقتضي عمومية الفاعل والجهل بالمفعول وهو المراد ، وأخرها وهو قوله تعالى : أَمْ أَرادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَداً يقتضي عمومية المفعول وحذف الفاعل من الأول دون الثاني تأدبا مع اللّه تعالى في نسبة الخير إليه دون الشر ، وإن كان الكل من فعله . قوله تعالى : وَمِنَّا دُونَ ذلِكَ . إن كان المعنى ، ومنا المقاربون لهم فلا يكون تقسيما مستوفيا ، وإن كان المعنى : ومنا الكافرون فيكون مستوفيا . قوله تعالى : وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ . ابن عطية والزمخشري : الظن هنا بمعنى العلم ، انتهى ؛ بل هو على بابه ويدل على ذلك ثلاثة أمور : الأول : أنه تقرر في علم أصول الدين الاختلاف فيمن يجزم بنفي الصفات عن البارئ تعالى ، هل هو كافر أو لا ؟ وذلك أيضا من يشك فيها . الثاني : أنهم اعتقدوا ذلك في أول أمرهم من غير جزمهم ثم لما تمكن الإسلام في قلوبهم جزموا بذلك ، فقالوا : ولم نعجزه هربا .